جلال الدين الرومي

45

فيه ما فيه

كل العلوم مغروسة مركوزة في طبع الإنسان والروح تجلى العينيات كأنها الماء الصافي يظهر ما تحته من حجر وطين وما فوقه وتعكس صورتها على جوهر ماء هذه الطبيعة الإنسانية بلا علاج وتعليم لكن لما اختلط ماء الإنسان الصافي بالتراب وبألوان أخرى انفصم عنه تلك الخاصية وذاك العلم ونسبهما فأرسل الحق - تعالى - الأنبياء والأولياء كالماء الصافي العظيم لكي يخلص من كل ماء عكر وحقير يدخل طبعه من حقارته وعكارته ولونه العارض فيتذكر حتى يرى نفسه صافيته ويعلم أنه كان صافيا هكذا في حالة الأولى ويفهم أن تلك العكارة والألوان عارضان ، ويتحقق من الحالة التي كان عليها قبل هذه العوارض ويقول : ( هذا الذي رزقنا من قبل ) إذن فالأنبياء والأولياء ما هم إلّا مذكرون له بحالته الأولى ولا يضعون جديدا في جوهرة ، والآن فكل ماء عكر فهم ذاك الماء العظيم ، وأنه جزء منه وهو منه اختلط به ، أما ذاك الماء العكر الذي أنكر ذاك الماء ورآه مخالفا له ومن غير جنسه فقد تحصّن بالألوان والعكارات حتى لا يمتزج بالبحر وينألى عن اختلاط البحرية لذاك قال : ( فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) وقال - تعالى - : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ سورة التوبة الآية 128 ] أي أنّ الماء العظيم من جنس الماء القليل ومن نفسه وجوهره ومن لا يراه من نفسه فهذا التناكر ليس من نفس الماء بل هو قرين السوء للماء الذي يعكس صورة ذاك القرين الأعلى الأفضل وهو لا يدرى أن جفلى وحركتي من هذا الماء الكبير والبحر هو من نفسي أو من صورة هذا القرين السوء بسبب غاية الاختلاط كالطين الهامد الذليل لا